السيد كمال الحيدري

268

دروس في التوحيد

الأشعري لأجل تصحيح المسؤولية والتكليف والأوامر والنواهي ، وتبعاً لذلك الثواب والعقاب ، لكي تحافظ المنظومة الدينيّة على معنىً عقلانيّ تؤدّيه من خلال فلسفة البعثة والنبوّة والرسالة . بعبارة أوضح : لقد جاءت نظرية الكسب لأجل تصحيح الجبر المحض ، ومحاولة للتخفيف من لوازمه الخطيرة في المجالات كافّة ، من خلال إيجاد موازنة بين الفعل والإنسان ، إذ بقيت الأشعرية متمسّكة في مجال الفعل بموقفها القاضي أنّ الله سبحانه خالق أفعال الإنسان حقيقة ، وأنّ الإنسان مكتسب لها . هذا ما ذهبت إليه النظرية . إنّ أوّل ما تواجهه نظرية الكسب الاختلاف الكبير الذي ثار في معناها عند أهل النظرية أنفسهم . فقد اختلفوا في المراد منها اختلافاً كبيراً ، وصاروا مذاهب شتّى بحيث اكتسبت تفاسير واتجاهات متعدّدة . في هذا الضوء ما ذكره الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في كتاب أصدره قبل ما يناهز المئة عام من الآن ، في معرض مناقشته للغزالي حيث يقول : " وكان الغزالي بناها على ما هو الأصل هناك عنده وعند إخوانه الأشاعرة ، من أنّ الأفعال ليست من فعل العباد بل من فعله تعالى وللعباد فيها ( الكسب ) ، ذلك اللفظ الذي لم يظهر إلى اليوم حقيقة معناه على الوجه الذي يذهبون إليه ، ولا نفهم كعامّة أهل اللسان من قوله تعالى : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ( الشورى : 30 ) وأمثالها إلّا المعنى الجليّ الظاهر ، وهو ما فعله الإنسان وحصّله بإرادته ومباشرته ، وهم يريدون من الكسب سوى ذلك " « 1 » . مع باحث معاصر خصّص لدراسة الكسب ما يقارب المئة صفحة في

--> ( 1 ) الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية ، الطبعة الأولى ، صيدا ، 1330 ه - : ج 2 ، ص 27 .